First Published 2009-10-10![]() الصمت ثالثهما صنبور مياه وقصص أخرى
ميدل ايست اونلاين
صنبور مياه
لم تعد قامتي تساعدني على الوقوف ممتشقة القوام خلف حوض الغسيل.
اليوم اتكأت بمرفقي لأفتح صنبور المياه، صوت ابنتي يتراشق في أذني عبر أسطوانة نحاسية، تعبر حكاياتها إليّ طازجة، تاركة حكايات قديمة عالقة عليها.
لازلت على وقفتي المتهالكة خلف حوض الغسيل، راحة يدي تلم بقايا ترسبت في القاع، من عظام أسماك، حبات عنب منفرطة، رواسب من فنجان قهوتي، وصور خيالات تندفع من فوهة الصنبور.
وجه أمي، وقفتها وهي تسند مرفقها على حافة الحوض، ويدها تجوس في قاعه، وصوتي يتراشق لها بحكايات قد تكون أحبتها.
أفول
الجسد يثور، يمور، يتحدى، تغادره دورة الدم، ينظرها جسدي دون فائدة، سخونة تعصف بي، العرق تلفظه مسامات جلدي، من يصدق أن الجسد يبكي لأجلها؟!
يغفل العقل وينسى، والجسد يئن ويبكي لأجلها، كيف أعيدها لجسد يريد الحياة؟! توقفت دورة دمي، لم يعد الشهر شهرا، ولا أيام الأسبوع هي ذاتها الأيام، سكنت قاع الزمن على سفود الوقت، ترقب محطات رحلتي.
المرآة تصافح وجهي، أستدير لها، أرقب حالي، كتفي، قامتي، أحيانا أكون لست أنا، وأحيانا أجدني كما كنت منذ عهد بعيد.
حكاية الرجل والصبية
فرشات يتوسدها جسداهما، أراحا ظهريهما إلى الجدار الأسمنتي، فردت ساقيها، وأرخت ساعديها على طول جسدها الملقى أمامها، تتأمل جنبات المكان، أرض أسمنتية، أصص من التنك تنبت فيها زهرات ريحان ونعنع بري.
الصمت ثالثهما، من الضجيج والحركة ترتاح أنفاسهما، فرشات طرية مكسوة بورد عباد الشمس، التي لحقتها حمرة قرمزية تفيض من عينيها، تحدثها الصبية، فتبتسم لها، تقتفي آثار حكاياتها، يقترب منه الصبي، يطلب ثقبا في طيارة ورقية، فيعدل جلسته، يرحل بنظره لمراعي الطفولة، ينتهي منها، يناول الصبي، يقبض عليها بفيض ابتسامة، يعود للجدار، يفتش عن راحتها المستلقية على جسدها، يقبض عليها كزغلول حمام، تستسلم له، يشدها نحوه، يفيض فيها كل جوانحه، يتلامس كتفاهما، يشتاقان، يعبان هواء بحريا، تفصله عنهما أزقة المخيم، كفها لا زالت في محراب البوح، لتتجلى الحقيقة، الوقت عسير، ينهضان، يغمرها خجل يفوق إرادتها المطواعة له، يئز الباب في يده، أنين فراق، يطالعهما الزقاق، العيون ترنو إليهما، تقف الأقدام ترقب خطاهما، يسألها الرجل، تقف تستعلم حكايته:
ـ هل لي بكتاب منك؟
خلت كفها من رحيق الكلمات، ومخيم يحكي معها منذ زمن بعيد، حكاية الرجل والصبية.
بشرى أبوشرار
|