First Published 2009-10-24


فن البورتريه يؤكد حضوره على الساحة الفنية الشعبية

مشاهير الفن والسياسة في لوحات حفر للمغربي

 
محمود المغربي يقدم تجربته الفنية ويدلي بمساهمته في فن البورتريه مختصراً ومتفرداً بتوسله تقنية الحفر والطباعة.

ميدل ايست اونلاين
بقلم: يحيى سويلم

كان للوجه سحره الخاص دون باقي أعضاء الجسد الإنساني. فمنذ فجر التاريخ وحتى الآن، كان له النصيب الأكبر من الاهتمام الإنساني والإبداعي، لما له من قدرة متفردة على التعبير عن كل ما يجول في نفسه من مشاعر وخواطر من خلال ملامحه وقسماته.

وترجع معرفة الإنسان لفن البورتريه لعصور ما قبل التاريخ، عندما استخدم الإنسان الأول أشكال شتى من الأقنعة، بغرض إخفاء مشاعره، واستخدمها في طقوسه الدينية والسحرية، وخلال صيده وزينته في احتفالاته الراقصة.

وإذا تتبعنا تاريخ فن البورتريه، يمكننا القول، ونحن مطمئنون، إنه فنٌّ مصري بامتياز، فقد أبدع المصريون القدماء منذ آلاف السنين تجسيد صور وجوه ملوكهم وملكاتهم رسماً ونحتاً، أمثال: الملكة الجميلة نفرتيتي، أشهر ملكات مصر وزوجها أخناتون وحتشبسوت والملكة نفرتاري وزوجها رمسيس الثاني، والملك الشاب توت عنخ آمون وقناعه الذهبي المشهور، حيث دأب المصريون على تشكيل أقنعة تستخدم عادة لتغطية وجه المومياء وهي متقاربة الملامح مع المتوفى، بهدف تعرف الروح عند البعث في العالم الآخر على صاحب الجسد المحنط.

وتعتبر الآلاف من الوجوه، التي تعود إلى القرن الأول الميلادي، المكتشفة عام 1615 في مناطق عديدة في المنيا وأخميم والفيوم ومناطق أخرى، والتي حملت عنوان (وجوه الفيوم)، البدايات الأولى الحقيقية لفن البورتريه، وفقاً لمفهومه الحديث، حيث التقيد بأصول الظل والضوء، بغية الإحساس بالتجسيد والمهارة في مكافحة التقاسيم والملامح وقوة التعبير وجمال الصياغة.

وإن توقف فن البورتريه في مصر لفترة زمنية، إلا أنه مع بزوغ فجر النهضة المصرية الحديثة، إبان عصر محمد علي، ظهر من جديد على أيدي رسامين أجانب، سرعان ما تتلمذ على أيديهم مصريون، ونما ذلك مع تأسيس مدرسة الفنون الجميلة في عام 1908.

هناك جيل من الرواد نبغوا في فن البورتريه، أمثال: أحمد صبري، محمد حسن، يوسف كامل، محمود سعيد، بيكار، صبري راغب، وغيرهم.

ولم تقتصر ممارسة رسم الوجوه على التشكيل المثقف ولكنها لاقت اهتماما شعبيا، وأصبحت عادة سلوكية من شواهد الحياة العامة المنتشرة في المحال والبقالات وصالونات الحلاقة والأسواق الشعبية، نرى رسوماً لوجوه أم كلثوم، محمد عبدالوهاب، فريد الأطرش، شادية، جمال عبدالناصر، الملك فؤاد وفاروق وسعد زغلول.. إلخ. ومن لم يجد ضالته في لوحة مرسومة من يد نقاش بسيط، وجد في الصورة الفوتوغرافية المنزوعة من مجلة، بعد تأطيرها، بديلاً.

وأكد فن البورتريه حضوره على الساحة الفنية الشعبية مرة أخرى عندما رسم وجوه شخصياته على الجدران والأسواق المحيطة بالأسواق والمؤسسات الأهلية، حتى صارت هذه الرسوم مصدر إلهام لكبار أعلام الفن التشكيلي، وعلى سبيل المثال، تلك الجدارية لبورتريه جمال عبدالناصر على جدار مخزن شل في الأقصر، التي قام بنقلها العالمي دافيد هوكني في لوحة مشهورة له.

ويأتي الفنان محمود المغربي، متخرجا من كلية الفنون الجميلة قسم الحفر، هذا القسم الذي قدم لنا أجيالاً من الفنانين الذين شاركوا في الحركة الفنية وأبدعوا في ممارستهم لهذا المجال الفني العريق، ليقدم تجربته الفنية، ويدلي بمساهمته في فن البورتريه، مختصراً ومتفرداً بتوسله تقنية الحفر والطباعة لتجارب من سبقوه من كبار الفنانين العالميين والمصريين، عندما قدموا وجوهاً (بورتريهات) لأشهر وأبرز نجوم الفن والسياسة، أمثال الأميركي آندي وارهول (1928 – 1987)، زعيم الفني الشعبي Peop Art، والمصري شانت أفيديسيان 1951 ذو الأصول الأرمينية وعادل السيوي وحلمي التوني.

ويعكف الفنان المغربي - الذي يقيم منذ عدة سنوات في دولة الكويت - هذه الأيام على التحضير والإعداد لمعرض يقيمه في الكويت ويشارك بمعرض جماعي آخر للأعمال الفنية الورقية، يقام في دولة البحرين.

ويتخذ المغربي من وجوه شخصيات بارزة، عربية وأجنبية، محوراً للمعرضين، اختارهم من تلك الوجوه التي ترسخت صورتهم في الذاكرة الإنسانية، ولاقت من الاهتمام الجماهيري الكثير، كما لاقت في نفسه على المستوى الشخصي، اقتراباً وحضوراً حتى جعل منها وسيلة للتعبير عن مضامين وإيحاءات لا متناهية.

وفي حالة من الفرز، يحكمها توجهه الثقافي الواعي بمجال الفنون في الشعر والأدب والسينما والموسيقى، اختار تلك الوجوه الجميلة من ذلك الزمن الجميل: ليلى مراد، ماجدة، سعاد حسني، محمد عبدالوهاب، أم كلثوم، هند رستم، رشدي أباظه، شادية ويوسف شاهين. وبوعي سياسي وقدرة على فهم وقراءة التاريخ وأحداثه، وجد في مخيلته أبطالاً ومشاهيرَ عُرف عنهم قوة التأثير والحكمة والتدبير أمثال: جمال عبدالناصر، جيفارا، نزار سمك، غاندي.. وغيرهم.

يقدم المغربي تجربته الفنية في رسمه للوجوه لتلك الشخصيات التي عرفناها وألفناها بأسلوب يجمع بين البساطة والتلقائية ناقلاً لتلك العاطفة الرمزية المحسوسة، بعيدا عن أفق المحاكاة، عاملاً على تجديد مصادره وينابيعه، واختار المغربي وسيلة أداء متحررة تنزع إلى الهدوء (تقنية الحفر) التي تتخذ من اللوح المعدني من بعد حفره بالإبرة مباشرة، أو الاستعانة بالأحماض، للحصول على طبعات محدودة، تظهر ملامح تأثيرها، بعد الضغط الشديد على سطح الورق الأبيض، يدوي التصنيع، فتظهر درجات، و(تونات) مختلفة تنبعث من كثافة الخطوط أو قلتها، وبما تعيشه من جو روحي يثري العمل ويترك أثره الجمالي العام.

من ناحية أخرى يقيم الفنان المغربي معرضا آخر في قاعة كمال خليفة بمركز الجزيرة للفنون بالزمالك بالقاهرة يفتتح 11 نوفمبر/تشرين الثاني القادم.

يحيى سويلم