First Published 2009-10-26


تحبيب الفنون الأدبية

عولمة الشيخ إمام وشاعر المليون والإسكندر المقدوني

 
حبذا لو يسهم القائمون على الإنتاج الفضائي بزيادة البرامج الثقافية من نوعية شاعر المليون ومن سيربح المليون.

ميدل ايست اونلاين
بقلم: ميسلون هادي

تخبرنا سيرة المنشد المعروف الشيخ إمام، رفيق الشاعر أحمد فؤاد نجم في أشعاره وأغانيه الوطنية، بأنه التحق في عام 1929 بالجمعية الشرعية بحي الأزهر للدراسة، وقضى بها أربع سنوات، وأتم حفظ القرآن الكريم فاستحق لقب (شيخ) رغم صغر سنه. وكان الاستماع إلى الإذاعة من ممنوعات الجمعية، لكونه بدعة بنظرهم، فقررت الجمعية فصله بالإجماع عندما وجدته يستمع إلى الإذاعة.

وكان الراديو أول دخوله إلى العراق، غير مألوف بين الناس وتحفظت عليه الكثير من العوائل، الأمر الذي دفع مونولوجستا عراقيا، هو الفنان عزيز علي، إلى تأليف مونولوج شهيراسمه (يحيا الراديو) لا يزال يبث من الإذاعات العراقية إلى يومنا هذا، ويشجع فيه الناس على الاستماع للراديو ويحببهم فيه.

كما يخبرنا كتاب "لورانس في بلاد العرب" أن الفونوغراف، وهو جهاز صوتي آخر، كان قد منعه الشريف حسين من دخول مدينة مكة المكرمة في عقابيل الحرب العالمية الاولى، أي أن هذا المنع حدث في أوائل العشرينيات من القرن الماضي. أما الآن، وقد أصبحت الصور والرسائل الإلكترونية تدور في الهواء الذي حولنا ومن خلف ظهورنا، قادمة من الأقمار الصناعية السابحة فوق رؤوس الجميع، فلم يعد المنع مجديا مع ما أصبحنا نجده، وعلى أي الجانبين نميل، من التحديات الرهيبة و التقنيات المبهرة والبرامج ذات الجاذبية الهائلة. فكيف إذن، نتعامل مع هذه التحديات ونتقي شرورها لحماية خط الدفاع الأخير عن الهوية العربية، وأقصد بذلك الخط الدفاعي هو الثقافة التي يبدو أنها لوحدها القادرة على توحيد الأمة، مادامت الفتن الطائفية والسياسية تكاد أن تمزقها شر ممزق.

وهنا نجد من الضروري أن نذكر، أن مظاهر الغزو الثقافي كانت موجودة على كوكبنا الأرضي منذ آلاف السنين، بل أن العولمة ذاتها كانت موجودة منذ فتوحات الإسكندر المقدوني للشرق (وهي الفترة التي تسمى تاريخيا بالفترة الهيلينية)، حيث يذكر كادر جوستاين في كتابه الشهير "عالم صوفي" أنه عندما كان القروي الهندي أو العربي أو الفارسي يخرج إلى الأسواق فيجد إمامه خليطاً من البشر والأفكار والسلوكيات لم يعرفها أو يعهدها في أعرافه وتقاليده، كما يجد أن معتقداتهم ودياناتهم مختلفة عما يعتقد ويدين به، فإن هذا كان يدفعه إلى الإحباط ويجعله يشعر بالإنزواء، لأنه فيما مضى كان يعتقد أن العالم هو عالمه فقط وأن معتقداته وتقاليده هي الوحيدة التي يجب أن تحترم فهو لا يعرف سواها.

إن فكرة التعرض لمثل هذه التجربة، ستتكرر وتتخذ تمظهرات عدة عبر الفتوحات والعمليات العسكرية ونشوء الإمبراطوريات وتوسع الأمم وفي هذا الصدد، نجد من المفيد أن نذكر ما جاء في كتاب "لورنس في بلاد العرب" لمؤلفه لويل توماس، إذ يقول: "إن الأقطار العربية بلاد الاضطراب وعدم النظام. نحن نستعمل السكاكين والشوك والملاعق وهم يكتفون بأصابعهم، ونحن نستعمل الموائد والكراسي وهم يجلسون على الأرض، نحن نمتطي الخيول من الشمال وهم يمتطونها من اليمين، نحن نقرأ من الشمال إلى اليمين وهم يقرأون من اليمين إلى الشمال. يغطي ساكن الصحراء رأسه (صيفاً وشتاء) على السواء بينما يترك أقدامه عارية طوال السنة. نحن نرفع قبعاتنا عندما ندخل دار صديق وهم يخلعون أحذيتهم، بل من النادر أن تجد الشوارع في الأقطار العربية متوازية."

أما الشخصية الشهيرة مس بيل فتشير في مذكراتها، إلى أنها وجدت العراقيين يصفون الأحذية داخل فاترينات زجاجية، بينما يتركون اللحوم مكشوفة للذباب والأتربة في الأسواق.

إذن كل شيء جديد سيكون موضع خلاف ورفض من قبل المجتمع في البداية، ولكن مع مرور الوقت واستتباب المشاعر ستحدث حالة من التألف مع هذا الجديد، وقبوله وتبني الصالح منه ونبذ الطالح من القديم، وهذا هو في النهاية ما يقود إلى تقدم المجتمعات وهرولتها إلى أمام.

ومع أن الأصوات التي تُحمّل (الآخر) آلامنا وآثامنا كثيرة جداً، فلسنا من الدعاة إلى القول بمنع هذه التقنيات وحجبها عن الشباب، وإلا كنّا كالنعامة التي تدفن رأسها في التراب. وأذكر أن قناة أو تي في عرضت تقريرا عن القنوات الفضائية في إيران، وتحدث بعض الشباب الإيراني فيه من مدينة (قم) قائلين أنهم يشاهدون سراً القنوات الممنوعة من السلطة، مما يجعلنا نعتقد أن الدعوة للمنع أمراً عديم الجدوى، هذا إنْ لم يأتِ بنتائج معكوسة.

من هنا تستدعي هذه المشكلة أن نطرح قضية الثقافة كحل جميل وساحر، كطاقة إبداعية، كمساحة داخل البث الفضائي ندعو إلى توسيعها وزيادة فاعليتها على التأثير في المشاهد العربي وتشكيل وعيه، بل وقدرتها على انتشاله من أوقات فراغه ومن برامج سطحية وتافهة، ربما تجعل المشاهد المراهق أو الشاب يتماهى معها كلياً لأنه غير محصن ضدها، أو ربما تدفعه إلى الإحباط والانزواء إلى ذاته، إو إلى الطرف الآخر من المعادلة وهو التطرف أو التشدد الديني.

بالإضافة إلى ذلك فإن الثقافة لا تخدم المشاهد بالشكل الذي يحصنه من الاختراق أو الإحباط أو حتى إلى التطرف حسب، وإنما تجعله إنساناً قوياً وذكياً فاعلاً في مجتمعه وقادرا على التغيير وتبني مفاهيم الجمال.

إن الذي يقدم الثقافة على شكل برامج مشوقة ومسابقات عصرية مثل (شاعر المليون) و(من سيربح المليون)، لا يقلل برأينا من شأن الثقافة، بل على العكس سيكون له الفضل الكبير في تحبيب الفنون الأدبية أو توصيل المعلومة إلى المشاهدين لأن الطريق إلى الثقافة قد يبدأ بهذه الخطوات الأولية، ثم بعد ذلك يتصاعد إلى ما هو أكبر وأكثر تعقيدا.

وحبذا لو يسهم القائمون على الإنتاج الفضائي العربي بزيادة هذا النوع من البرامج الثقافية، وجعل الثقافة مشوقة وذات شد وجذب للمشاهدين وعدم عرضها في جزر كئيبة ونائية، لا يسمع فيها المشاهد سوى النظريات المتقعرة والمصطلحات المتصحرة، مما قد يجعلها في منطقة معزولة لا تصل إليها عيون الشباب ولا أرواحهم المتوثبة إلى كل ما هو جديد.

ميسلون هادي ـ كاتبة عراقية