First Published 2003-01-17

لماذا لا يحترس الدكتور البرادعي في تصريحاته؟

 
بقلم: امين الغفاري

كل ما نرجوه يا سيدي ان لا تخضع للضغوط الامريكية ولا تلتزم سوى بما يمليه عليك ضميرك، وان تعرضت لضغوط فاعلنها واكشفها حتى وان كان الثمن هو موقعك الوظيفي.

ميدل ايست اونلاين
دائما يفرح العرب لكل من يحصل منهم على امتياز علمي او مكانة دولية او شهرة عالمية، وغالبا ما يسترجعون بهذه المناسبة او تلك أمجادهم الغابرة، وان هذه المكانة او الشهرة او الامتياز لم تأت عبثا او صدفة وانما لأننا نستحقها، بل هي اقل مما نحن جديرون به، فنحن أحفاد من بكروا في صنع الحضارات فرعونية او فينيقية او بابلية او آشورية او اسلامية وغير ذلك مما شاهدته المنطقة من مجد قديم.

هكذا استقبل العرب نبوغ السير د. مجدي يعقوب المصري الأصل، والمهندسة زهاء حديد العراقية الأصل في بريطانيا، وذيوع اسم المفكر الفلسطيني الأصل د. ادوارد سعيد في الولايات المتحدة، وحصول الروائي نجيب محفوظ، والعالم احمد زويل على جائزة نوبل، ثم شهرة الفنان عمر الشريف، ووصول د. بطرس غالي الى موقع السكرتير العام للأمم المتحدة، وكانت المرة الاولى التى يشغل فيها عربي او أفريقي هذا الموقع.

مع كل حالة من هذه الحالات، كان العرب من المحيط الى الخليج تهزهم الفرحة، بل لا أتجاوز ان قلت النشوة، وكان هذا النجاح هو نجاح شخصي لكل عربي، بل دعني أضيف، ولا اعرف ان كنت ما أضيفه يدخل في باب التراجيديا أم الكوميديا ان بعض المصريين قد عبروا عن فخرهم حين وقعت الاميرة الراحلة ديانا في هوى الشاب المصري عماد الفايد، رحم الله الاثنين.

الى هذا الحد تشتعل العواطف، وتتركز الأنظار، ترقب، وتتأمل، دون ان يكون لها أي مطلب شخصي او حاجة ذاتية.

وحين تقلدت يا سيدي موقع الرئاسة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، استقبل انتخابك بترحاب شديد، رغم ان الترشيح المصري الرسمي لم يكن لك، وانما كان لشخصية مصرية اخرى شغلت موقع السفير في بريطانيا لمدة تسع سنوات متصلة وكان عميدا لمجلس السفراء العرب والأجانب ايضا، واشهد وقد عاصرت هذه الفترة في لندن، انها كانت تمثل العصر الذهبي للدبلوماسية المصرية نجاحا وتألقا، وأيضا كانت السفارة المصرية بيتا يؤمه المصريون والعرب وكانه بيتهم الخاص، فالدفء في العلاقات يلف المكان، وحرارة المشاعر واضحة في حفلات الاستقبال، اما الاهتمام بالقضايا العامة فكان دائما موضع الدراسة والمتابعة وفق قواعد وأسس علمية مفصلة.

وقد يتساءل القارئ ما العلاقه بين الدبلوماسية، والوكالة الدولية للطاقه الذرية؟

وللإيضاح كانت المواقع ذات الصلة التى شغلها الدكتور محمد شاكر (السفير المصري لدى المملكة المتحدة في ذلك الوقت، رئيس مجلس العلاقات الخارجية حاليا) المرشح المصري الرسمي للموقع الذى يشغله الان الدكتور البرادعي كالآتي:

1- مسؤول عن التعاون النووي والحد من التسلح ونزع السلاح في مكتب نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية في مصر عام 1980

2- شارك في التفاوض حول جميع الاتفاقات الحديثة لتزويد مصر بالطاقة الذرية

3- عين ممثلا للمدير العام للوكالة الدولية للطاقه الذرية لدى الأمم المتحدة عام 1982

4- ترأس مؤتمر الأمم المتحدة لدعم التعاون الدولي من اجل استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية الذى عقد في جنيف عام 1987

5- ترأس مؤتمر المراجعة الثالث للدول الأعضاء في معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية في جنيف عام 1985

6- كان سفيرا لمصر في فيينا ومثل مصر لدى الوكالة الدولية للطاقه الذرية، واصبح عضوا في مجلس محافظيها عام 1986 – 1987.

ورغم تعدد المواقع التى شغلها الدكتور محمد شاكر وبعضها دبلوماسي رفيع المستوى، ورغم مؤازرة الحكومة المصرية، فانه لم يوفق امام ترشيح إحدى الدول الإفريقية للدكتور البرادعي، وكان يشغل موقعا هاما في الوكالة ذاتها ونال مساندة دولية.

وفي كل الحالات فان الفائز مصري الجنسية وعربي الهوية وهو ما يستدعى الترحيب. ثم استدرك فاقول ان الترحيب هنا لا يعني انه يمكن ان يمالئ العرب او يتعصب لهم حتى وان كانت الساحة الدولية تشهد ألوانا من ذلك التعصب الأعمى ضد العرب، ولا أغالي ان قلت ضد الإسلام ايضا، ولم تكن مجرد زلة لسان يوم ان صرح الرئيس الاميركي بأنها حرب صليبية، ولكن المعنى بالترحيب هو ان القضايا العربية ذات الصلة بالوكالة الدولية للطاقه الذرية ستكون بين يدي امينة لا تخضع للتلفيق او للابتزاز وهو سمة السياسة الدولية في ظل العصر الامريكي منذ ان سقط الاتحاد السوفيتي وتفرد القطب الواحد بحكم العالم.

وحين قبل العراق بعودة الفتشين مرة اخرى بعد التجربة المريرة الماضية معهم، وافتضاح أمر الكثيرين منهم بانهم كانوا جواسيس للولايات المتحدة وإسرائيل، وبدأ ظهور الدكتور البرادعي المصري الجنسية، العربي الهوية، المسلم الديانة، على قمة الوكالة الدولية للطاقة الذرية التى تشارك في عمليات التفتيش، حمدنا الله. فهذه يد امينة عربية صميمة، سوف تمارس عملها بنزاهة وشرف وسوف تناقش وتجادل بالتي هي احسن كما تنص آيات الذكر الحكيم.

ولكننا فوجئنا – ويا للعجب – بالدكتور البرادعي يصرح في فرنسا بالقول الآتي "العراق يتعاون بترحاب فقط في فتح الأبواب، ولكننا نريد تعاونا في القضايا الجوهرية والرد على الاسئلة التي لم يشملها التقرير العام" وهي نفس النغمة التي استعادتها الذاكرة بعد ان رددها من قبل طاقم التفتيش السابق، وبعبارة اخرى ان ريما (المفتشون) عادت الى عادتها القديمة.

والسؤال يا سيدي لماذا لا تطرح أسئلتك على المسؤولين العراقيين بدلا من ان تطرح تشكيكا من خلال الاعلام الغربي؟

لقد أذاعت تصريحاتك كل وسائل الاعلام، وكنت معنيا بالأعلام المصري، وكيف سيذيع تصريحاتك على أبناء جلدتك في مصر، والمشاعر هناك ملتهبة، قلقا على العراق وشعبه ضد الغطرسة الامريكية، شانها في ذلك شان مشاعر الشعوب في العالم اجمع، وبعض الحكام من الشرفاء، ذلك ان لم تكن تزيد بفعل روابط وحدة الأمن والتاريخ والمصير، ولكن الاعلام المصري كان اكثر حصافة ومسؤولية، فاذاع تصريحاتك بعد ان جملها وحذف منها فتح الأبواب وقال ان العراق يعاملنا بترحاب، ونحن نريد مزيدا من التعاون.

ثم توالت تصريحاتك بانك تحذر العراق، وكأنك بذلك تشهد العالم ان العراق يخفي شيئا، والأغرب من ذلك انك تطالب العراق بان يثبت انه لا يملك أسلحة دمار شامل، أي انك بعد ان عجزت عن العثور عن أي دليل ضد العراق، عدت تلقي بعجزك عليه! أي منطق ذلك الذي تبديه!

أرجوك ان تعلم ان الموقع الذي تشغله موقع فني، وتجاوز كبير ان تزج بنفسك في معترك السياسة حتى وان التقيت ببوش وباول ورايس.

لقد تغيرت نغمة المفتشين الجدد، وأنت كبير بعضهم، ولهجتك في الحديث، وتحمسك في الإدلاء بأحاديث سياسية الطابع لابد ان تقلق كل الباحثين عن العدل، وعلى الاخص الذين يقاسون الظلم ويعانون من العدوان وفي المقدمة منهم الشعوب العربية والاسلامية.

ان العراق يا سيدي ليس وحيدا، فلم يعرف التاريخ حربا يناهضها العالم مثل هذه الحرب المحتملة ضد العراق.

ان كل ما نرجوه يا سيدي ان لا تخضع للضغوط الامريكية، والكل يعلم ان ضغوطها تمتد الى الدول والمؤسسات العالمية، فما بالك بالأفراد، اللهم الا إذا كان إيمانهم بالله، وبالحرية، وبالحقوق الطبيعية للإنسان اقوى من أي نفوذ.

ان ضغوطها شديدة لاشك، بالترغيب او بالترهيب، ولكن كثرة الضغط تولد الانفجار، وتلك حقيقة علمية ليست محل شك، وسوف تسقط الولايات المتحدة "بؤرة الشر" في هذا العصر، وسوف تقودها الى الهاوية سياستها الرعناء، فاحفظ لنفسك قيمها، ولا تلتزم سوى بما يمليه عليك ضميرك، وان تعرضت لضغوط فاعلنها واكشفها حتى وان كان الثمن هو موقعك الوظيفي.

اتركه وعد الى بلادك وسوف يلقاك شعبها بالترحاب، بل إنني أتصور الجموع الحاشدة سوف تخرج لاستقبالك بما يليق باستقبال رجل شريف قال لاعتى قوة غاشمة في العالم والتاريخ.. لا.

امين الغفاري - لندن