First Published 2009-10-02


المفتي.. عراقية أم كردية؟

البرود يكتنف درس اللغة الكردية في المدارس العراقية

 
وزيرة البيئة نرمين عثمان تعتز باخطائها النحوية العربية لتأكيد كرديتها قبل عراقيتها.

ميدل ايست اونلاين
لندن – من كرم نعمة

وصف تقرير صحفي لمعهد الحرب والسلام درس اللغة الكردية في المدارس العراقية بـ"البارد" وغير الملزم للتلاميذ.

وذكر المعهد في تقرير باللغة الانكليزية على موقعه الالكتروني "ان الخلاف السياسي بين الاحزاب الدينية الحاكمة في بغداد والاحزاب الكردية انعكس على التعامل الثقافي بين أبناء الشعب الواحد".

وجاء في التقرير الذي كتبه مراسل المعهد في بغداد حسام السراي "ان الفتى العراقي أمير مؤيد (17 عاما) عاد من عطلة قضاها في مدن شمال العراق، وعبر عن عدم سماعه باسماء أقضية ونواحي مثل (سوارا توكا) التي تقع بين مدينتي العمادية ودهوك".

ويشعر أمير بالود حين يلعب مع أصدقائه الاكراد في بغداد رافضاً التحذيرات من تركهم، في رسالة لها دلالة واقعية لايعترف بها سياسيو الاحزاب في العراق اليوم.

ولا يدرك أمير ولا حتى اصدقائه المغزى التاريخي لمنطقة "سوارا توكا" التي كانت المركز الرئيسي في الثورة ضد الحكم الاستعماري البريطاني، أبان ثورة العشرين في العراق، التي تدرس في مناهج التاريخ كأحد أهم معالم النضال العراقي ضد الاستعمار البريطاني.

ويجهل الجيل الجديد في العراق اليوم التاريخ المشترك للعرب والاكراد ولا يعرفون سوى القليل عنه، بسبب الصراع السياسي ومحاولات الانفصال.

ويخشى المتابعون للشان العراقي ان يتحول الخلاف بين الحكومة في بغداد وحكومة كردستان في شمال العراق الى نزاع حربي بعد انسحاب القوات الأميركية.

ويشير الدستور الذي كتب بعد احتلال العراق عام 2003 وفق تصورات ومصالح الاحزاب الدينية والطائفية، ان الحقوق في اللغة متساوية بين العرب والاكراد العراقيين، ومع ذلك، فإن قلة من الشباب الأكراد يتحدثون اللغة العربية، وعدد أقل من الشباب العرب يتعلم الكردية.

وقال السياسي المستقل ضياء الشكرجي "الفجوة في اللغة تعكس الخلاف السياسي بين الأكراد والعرب" محملاً كلا الجانبين المسؤولية.

واضاف "إنه لأمر مؤسف، ليس ثمة أي رغبة لدى العراقيين العرب لتعلم اللغة الكردية، نتيجة للسياسات الخاطئة التي ترتكبها الحكومة في بغداد والسلطات المحلية الكردية".

ولفت الشكرجي الانتباه الى أنه كان يجب أخذ زمام المبادرة لطمئنة الاكراد على اعتبارهم الشريك الحقيقي في العراق الجديد.

وأوضح "على الجانب الاخر يرفض الاكراد تعلم اللغة العربية، في محاولة لتأكيد اعتزازهم بالكردية والانتقام من السياسات السابقة التي حاولت تهميشهم".

وحارب الاكراد الحكومات المركزية في بغداد في أوقات مختلفة كان آخرها عام 1991 عندما انسحبت المؤسسات الحكومية من مدن شمال العراق، الامر الذي عمت فيه الفوضى ونشب صراع بين الحزبين الكرديين الرئيسيين اللذين يترأسهما جلال الطالباني ومسعود البارزاني راح ضحيته آلاف القتلى.

ويعيش الاكراد في مدن شمال العراق في استقلالية ادارية وسياسية منذ عام عام 1991.

ولم يعد يولي الطلبة الاكراد الاهتمام لدرس اللغة العربية، فيما يواصل التلاميذ العرب إهمال درس اللغة الكردية.

وقال الشاب أمير "أنه يعرف العديد من زملائه ياخذون دروساً اضافية باللغة الانكليزية أو العربية، لكنه لا يعرف أحدأ يدرس الكردية".

وقال مدرس اللغة العربية في منطقة الشعب ببغداد سلام عبد الواحد "دروس تعليم اللغة الكردية غير مهمة للأدارة ولا حتى للتلاميذ لانها لا تدخل في الامتحانات الوزارية الألزامية".

واضاف "لا أحد من المشرفين يعرف كيف يتم تدريس اللغة الكردية في المدارس العربية".

وتطالب السلطات التربوية بأن يؤخذ تدريس اللغة الكردية في المدراس العربية على محمل الجد.

وقال حسين الجاف المدير العام في وزارة التعليم والمسؤول عن تدريس اللغات غير العربية "يأخد الطالب في عمر 16-17 عاما دروسا في اللغة الكردية، لكنها غير ملزمة أسوة بدروس النحو والكيمياء أو الفيزياء".

وتوقع الجاف ان تشمل دروس اللغة الكردية سنة دراسة أخرى في المدارس الاعدادية عام 2010.

وأكد الجاف على عدم تحفظ الحكومة في بغداد على تدريس اللغة الكردية "يتم تعين المزيد من معلمي اللغة الكردية في المدارس الثانوية في بغداد والمحافظات سنوياً".

ويعتقد المتابعون ان العرب يتعلمون اللغة الكردية عندما يعيشون في بلدات ومدن مشتركة مع الاكراد.

وقال الكاتب الصحفي عبد المنعم الاعسم "كثير من العرب يتكلمون لغة جيرانهم الكردية والتركمانية في مدينة كركوك وما حولها، لأنها ضرورية لممارسة الأعمال التجارية".

ويمكن العثور على عدد من العرب في بغداد يتكلم اللغة الكردية في مناطق مثل الصدرية حيث يعيش عدد من الأكراد.

وقال نجاح سلمان من سكان منطقة الصدرية وسط بغداد "تعلم العرب بعض الكلمات الكردية لاظهار الود تجاه جيرانهم لجعلهم يشعرون بأنهم موضع ترحيب في بغداد".

ومع ذلك، فإن معظم الاكراد الذين يعيشون في بغداد يتحدثون اللغة العربية بطلاقة، ويميل الشباب العرب إلى التواصل مع أقرانهم الاكراد باللغة العربية وحدها.

وقالت نازدار محمد المرأة الكردية التي تعيش في بغداد بعد زواجها من عربي منذ 25 عاما، والمنحدرة من محافظة كركوك "انها لا تستخدم اللغة الكردية سوى في كلامها مع والدتها، وان أياً من ولديها لم يتعلما الكردية".

ولا ترى نازدار أي ضرورة لتعليم اولادها الكردية "لأنهما لن يتحدثا بها لا في المدرسة ولا في اي مكان آخر".

ويواجه العراقيون مشكلة في التحدث بالكردية أو قراءة اللافتات في محافظات كردستان عند هروبهم من العنف المستشري في المدن الاخرى، أو لقضاء اجازة صيفية في المنتجعات الجبلية.

ويواجه العراقيون العرب جملة "كاكا عرب نازانيم" عند سؤالهم غالبية الاكراد في مدن شمال العراق، وهي جملة تعني باللغة الكردية "لا أتكلم العربية".

ويواجه العرب صعوبات في كردستان هي أقرب إلى تلك التي يواجهها كردي يزور بغداد.

وتكتب اللافتات على الطرق والمباني الرسمية في كردستان باللغة الكردية، كما يندر ان تجد لافتة كردية في بغداد.

وترى نرمين عثمان الكردية وزيرة البيئة في الحكومة المركزية ببغداد، ان عدم وجود لافتات عربية في محافظات كردستان، ناتج عن عدم وجود مايمثالها باللغة الكردية في بغداد!!

وهي مفارقة تشعرها بـ"الدونية" او مواطنة من الدرجة الثانية حسب تعبيرها، لانها لا تقرأ علامات أو لافتات باللغة الكردية ببغداد.

وتدخل عثمان نفسها بالحيز "العنصري" عندما تفضل كرديتها على عراقيتها وتعتز بانها تخطأ نحوياً عند كلامها باللغة العربية وتقول "كيف يمكنني أن أثبت هويتي الكردية لو أنني لم أخطأ في اللغة العربية؟".

وتعلم أغلب الاكراد من السياسيين الحاليين العربية بحكم دراستهم في بغداد والمحافظات الاخرى، وطبيعة الاختلاط الذي كان قائماً بين العراقيين جميعا قبل احتلال بلادهم، الا انه من الصعوبة ان يولد جيل أخر من الاكراد يتكلم العربية في السنوات القادمة.

وقال الصحفي علي عبد السادة "ان الاهمال الكردي للغة العربية يتضاعف، كما يتزايد الجهل العربي بالثقافة الكردية".

وشجع عبد السادة العراقيين على تعلم اللغة الكردية، مؤكدا انه تعلمها خلال عامين من إقامته في كردستان العراق.

وأضاف "تحدث العرب الكردية يؤكد التنوع الثقافي في العراق أنه ليس مجرد شعار ترفعه الحكومات".

ونبه مفيد الجزائري رئيس لجنة السياحة والثقافة في البرلمان العراقي الى خطورة الجهل اللغوي المتبادل الذي يمكن أن يقوض أي جهد لبناء علاقات سليمة بين العرب والاكراد.

وقال "من خلال تعلم التحدث بلغة الآخر، يمكن تحسين العلاقات معه".

وابدى المحلل السياسي سعد السلوم عدم تفائله بتعلم الكردية من قبل العرب، مؤكدا ان أغلب الأصدارت الكردية قد تم ترجمتها الى العربية.

واضاف "الفجوة بين العرب والأكراد لا يمكن أن تلتئم عندما يتعلم الجانبان كل منهما لغة الآخر، الفجوة السياسية أكبر من اللغوية، فضلاً عن قصر الحلول السياسية المقترحة، أما الفجوة اللغوية فهي مجرد (ديكور الثقافي) محكوم عليه بالفشل".

وأكد صاحب متجر لبيع الكتب في شارع المتنبي بسوق السراي وسط بغداد على حماسة العراقيين في شراء كتب الثقافة الكردية.

واضاف "المثقفون العرب ليسوا لديهم أي حساسية تجاه الثقافة الكردية، ويودون قرائتها مترجمة الى اللغة العربية".