| First Published 2009-10-30 لماذا أضاعوا فرصة السلام بين الاكراد والاتراك؟
مرة أخرى يدرك الاتراك ان من الصعب الهروب الى امام وان أي سلام خارجي اقليمي يسعون لتحقيقه انما يمر بسلام داخلي يتوصلون اليه مع الاكراد.
ميدل ايست اونلاين
عندما سئل يشار كايا، وهو برلماني كردي تركي سابق ورئيس البرلمان الكردي في المنفى السابق، هل سيصوت للعدالة والتنمية لو كان في تركيا؟ اجاب كايا "سأصوت للعدالة والتنمية لو كنت في بلدي طبعاً". هذا الكلام عن الانتخابات البرلمانية وليس عن الانتخابات البلدية التي جرت مؤخرا في تركيا. فلو سئل عن الانتخابات البلدية لكان جواب كايا مختلفاً. ففي الانتخابات البلدية تحدى أردوغان الاكراد كلهم ولم يترك امام أي من الاكراد ممن يريدون التعايش المشترك والحفاظ على السلم الاهلي مجالا لأن يكونوا معه. فطغيان الانا صار سببا لنسف من كان يريد الانضمام الى الحلول السلمية.
ماذا يعني ان يطلب اردوغان احتكار بلدية ديار بكر؟ ما يعنيه هو امحاء الجانب السياسي والاخلاقي والتاريخي والجغرافي للاكراد؟ وبسبب ذلك رأينا كيف ان الاكراد اتحدوا ويدافعون عن تاريخهم وجغرافيتهم وقيمهم الاخلاقية السياسية. والملفت أن اردوغان لم يخسر ديار بكر بل خسر في عدد كبير من البلديات. والان نرى الوقوع في نفس الاخطاء خصوصا في التعامل مع ما يسمى بمجموعة "السلام - العمال الكردستاني" التي أتت من العراق وجبالها الى تركيا ، وذلك بأمر من عبدالله اوجلان المسجون في ايمرالي منذ عام 1999على اساس "بادرة حسن نيّة " من قبلهم، وأصبحت القشة التي قصمت ظهر البعير، وأظهرت للرأي العام التركي والكردي حقيقة أسمها "الهروب الى الأمام" عند مقاربتهم للمشكلة الكردية، واحتلّ اللوم صدارة خطاباتهم وهاجمت النخبة السياسية التركية الاكراد وحكومة العدالة والتنمية. واستسلمت لـ"مجموعة قاتلة". واستقبلهم الاكراد استقبال الابطال في حين اتهمهم الاكراد باكثر من ذلك ووصل الامر الى درجة الندم ونوهوا بان "المجموعة الثالثة" لن تأتي.
الدرس الذي تلقاه الطرفان من هذه البادرة العملية هو ان ارادة الحل ما زالت معذورة لديهم، فعجزت العدالة والتنمية عن الدفاع عن موقفها امام معارضيها من الحركة القومية برئاسة دولت باهتشلي وحزب الشعب الجمهوري دنيز بايكال وجمعية ضحايا الحرب مع الاكراد بالرغم من اعلانهم بان سياسة "انفتاح" على الاكراد مستدامة. واستطاع أردوغان انتزاع قبول المدوامة في سياسته من مجلس الامن القومي التركي-وهو اعلى سلطة في هرم الحكم في تركيا- في اجتماعه الاخير الذي تزامن انعقاده في لحظة مجيء مجموعات "السلام - العمالي الكردستاني" الى تركيا. ولكن ما الفائدة من كل ذلك ما دام الطرفان عجزا عن استثمار هذه الحادثة في حلحلة الاوضاع بينهما خصوصا ان الحدث كان كبيرا وكان الاعلام التركي قد تحدث عنه لايام والتقط كل كلام الذي يصدر عن اصحاب العلاقة.
بيدا ان الطرفين تهربا من واقع حيّ وذي مفاعيل قوية ولمصلحتهم الحزبية الضيقة واحرج العمال الكردستاني بعدم اعتقال هؤلاء ولعل مرد احراجه فيما يقوله لجمهوره: أرأيتم ان تركيا تخضعنا وهي لا تريد السلام ولا تريد مقاربة الحلول الحقيقية. خصوصا وان العمال كان يعيش تحت ضغط شعبي كبير سواء في اوروبا او في داخل تركيا لاخذه كل الخطوات الايجابية التي حصلت على صعيد حقوق الاكراد باستهتار وعدم مبالاة. وهذا ما اوقعه موقع الضعف امام مناصريه وجمهوره، وبيّن اردوغان ندمه ازاء استثماره لنفوذه في السلك القضائي لاطلاق سراحهم. الامر الذي احرج العمال الكردستاني الذي افاد قبل مغادرة هؤلاء بأن تركيا تخضعهم، واعتبر احمد تورك رئيس الحزب المجتمع الديمقراطي الكردي هذه البادرة بمثابة اختبار قدرة للاتراك لتنفيذ سياسة الانفتاح هذه، وقال ان شكل التعامل مع هؤلاء سيكون مقياسا لمدى صدق نوايا الحكومة والدولة التركية تجاه السلام والانفتاح الديمقراطي.
ولا نستغرب في البداية ان الطرفين تبادلا خطابات مشجعة لعملية السلام هذه اذ اعتبر الرئيس التركي عبدالله غول هذه الخطوة بـ" إنها جيدة وشيء جميل" واكد احمد تورك في المقابل ان "مجيء هؤلاء ليس استسلاما، بل هؤلاء عبارة عن سفراء السلام الكردي واثبات لمدى اصرار ونية الجانب الكردي للسلام، والتعامل الايجابي مع هؤلاء سيفتح آفاقا جديدة امام تركيا وسيساعد على تعزيز وترسيخ السلام والديمقراطية في تركيا."
في الواقع انها ليست المرة الأولى التي يضع العمال الكردستاني السلطات التركية في موضع الاختبار بل انها المرة الثالثة. في الاولى، تم ارسال الوفدين في اواخر التسعينات اي بعد اعتقال أوجلان واطلاق منهجية جدية للتعامل مع تركيا، اي منهجية الحوار وقامت تركيا انذاك بزج الوفدين الى السجن ونالوا العقوبة وبعد ذلك تم اطلاق سراحهم وهم الان يعملون في المؤسسات الاعلامية والمدنية ويقولون "لا صلة لنا بحزب العمال الكردستاني".
ويرى الاكراد بان الخطوة التي خطاه اوجلان بانها جريئة ومعقولة.. وبدون ذلك لا يمكن فهم جدية ما تردده حكومة العدالة والتنمية من اقاويل مثل "الانفتاح الديمقراطي" في الوقت الذي اصبحت فيه حكومة العدالة بين فكي الكماشة من جهة المعارضة التركية واستحقاقات المرحلة الكردية من جهة ثانية. والسؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي ستفعله العدالة والتنمية أمام الواقع الكردي هذا؟
ان تركيا كدولة وكشعب أمام تحد كردي حقيقي. فمن يعيش في وسط الأكراد لا يمكن له الهروب الى الأمام. وحتى تنظيمات حزب الشعب الجمهوري بقيادة ذنيز بايكال المتواجدة في المناطق الكردية رفعت مذكرة الى قيادتها وطلبت حل قضية الأكراد الثقافية والمجتمعية. وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على ان من يعيش في وسط الأكراد ليس أمامه أي خيار غير خيار التطبيع.
يتحدث الجميع اليوم عن اتفاق جرى بين العدالة والتنمية وأكراد العراق وحزب العمال والولايات المتحدة الأميركية. وتتصدر القضية الكردية في تركيا على صفحات الجرائد والإعلام. وحزب العدالة هو السباق في اعترافه بالظلم الذي الحق بالأكراد. وتسعى كل الفعاليات على كيفية الخروج من المأزق الكردي في ظل ان السلام الخارجي لأي دولة يبقى مرهونا بما تحققه من سلام داخلي. هذا، على الاقل، ما يراه أحمد داود أوغلو وزير الخارجية التركية .
فاروق حجي مصطفى
كاتب سياسي
|