| First Published 2009-10-31 تركيا واذرعها الأخطبوطية
تركيا العثمانية تسعى لدور ربما يكون مشابه لدور ايران الصفوية ولكن باستخدام اليات مغايرة.
ميدل ايست اونلاين
ليس من باب العنصرية القومية التي لم توردنا سوى مهالك الامور وحضيض الرديء، ولكن من اجل مقاربة تجعلنا نقترب اكثر من حقيقة هذا الحضور التركي اللافت في الجسد العربي والذي بات في نظر البعض بارقة امل، بينما يرى اخرون فيه بانه بداية لهيمنة اقليمية اخرى على مقدرات عربية، مستغلة حالة التردي والانحطاط التي تعاني منها اغلب البلدان العربية، واستبدال هيمنة باخرى بغض النظر عن المهيمن الجديد او القديم منه.
لا يبدو ان تركيا تحاول او تريد ان تكون مثل ايران في تدخلها بالشأن العربي، فهي تدرك جيدا ان التدخل الايراني في الشؤون العربية وتحديدا في العراق وفلسطين ولبنان بات مرفوضا وغير مقبول، بالتالي فان تركيا العثمانية تسعى لدور ربما يكون مشابه لدور ايران ولكن باستخدام اليات مغايرة، اليات تجد حتى اللحظة ترحيبا من قبل بعض الحكومات العربية وعموم الشعوب.
لقد خطت تركيا خطوات سياسية واقتصادية جعلت منها قوة لا يستهان بها ليس في المنطقة حسب وانما على المستوى الدولي مستفيدة من طروحات وزير خارجيتها الحالي احمد داود اوغلو، في كتابة الشهير الدولة الاستراتيجية، والتي حدد فيها ابرز ملامح هذه الدولة، مستخلصا منها بان لدى تركيا كل مقومات الدولة الاستراتيجية، داعيا الى الاستفادة منها.
بالمقابل تجاور تركيا دول عربية مازالت اغلبها تعاني من تردي كبير وواضح سواء في سياستها الاقتصادية او السياسية او التنموية ناهيك عن حالة التشرذم الداخلي التي تعيشها بعضا من تلك الدول، وهو ما جعل من تركيا قادرة على ان تلعب الدور الذي تبحث عنه سياستها، مستفيدة في الوقت ذاته، من غياب الدولة المحور التي طالما كانت العديد من الحكومات العربية تدور في فلكها، على غرار ما كان يحدث ابان سيادة الشيوعية ودولة الاتحدا السوفيتي السابقة.
وتركيا دولة تبحث في النهاية عن مصالحها، مصالحها الاقتصادية اولا والسياسية والتنموية والاجتماعية وغيرها، ولها الحق في ذلك، وباالتالي فان تمددها في الجسد العربي ياتي في ظل كل هذه العوامل، وهو تمدد ابعد ما يكون عن تمدد المساندة وتقديم العون لنظرائهم في الدين، الدول العربية، ناهيك عن بقاء مصير دخول تركيا في الاتحاد الاوربي معلقا وغير محسوم رغم كل ما فعلته انقرة، وهي بالتالي تسعى لارسال رسائل في اتجاهات عدة لعل من بينها رسالة واضحة الى الاتحاد الاوربي بان لدى انقرى خيارات اخرى .
لقد حمل رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان الى بغداد خلال زيارته الاخيرة، مشروع اقتصادي ضخم تقوده تركيا في المنطقة، مفاده تكوين شراكة اقتصادية بين تركيا والعراق وسوريا وايران وارمينيا، اتحاد خماسي يكون مفتوحا لاخرين ان رغبوا، مشروع حظي بموافقة اربع دول، غير ان بغداد التي مازالت قراراتها محكومة بارداة اميركية طلبت التريث دون ان تبدي تجاوبا مع تلك المبادرة التركية.
انها اذرع تركيا الاخطبوطية، التي نجحت في تسوية ازمتها مع ارمينيا، تلك الازمة التاريخية التي كان يعتقد الكثير انها لن قابلة للحل في ظل الخلفيات التاريخية لتلك الازمة، انها اذرع تركيا التي لم تعد تعترف كثيرا بالخلاف مع الاخر بقدر اعترافها بمصالحها الاقتصادية والسياسية، حتى طبيعة خلافها مع اسرائيل استطاعت تركيا ان تجيرها لصالح خدمة مشروعها الاوسع.
طبعا ليس من المنطقي ان نطلب من الحكومات العربية ان تتصرف بذات الشاكلة التي تقوم بها حكومة تركيا، والسبب ببساطة انه ليس هناك حكومات عربية فاعلة يمكن لنا ان نخاطبها، وبالتالي فان تركيا ستكون في بحبوحة من المساحة السياسية والاقتصادية التي تتيح لها التحرك لتحقيق مصالحها، الا اذا ظهر فيتو اميركي خفي على هذا التحرك، عند ذاك سوف تصدع رؤوسنا تصريحات بعض الساسة العرب وهم يحذرون من دور تركيا القادم في المنطقة.
نعم العالم اليوم بات قرية صغيرة والشاطر من يتمكن من مد اذرعه لكافة احيائها وشوارعها، معادلة فهمها الاتراك جيدا، وهم اليوم في صدد اقامة مشروعهم الاقتصادي والسياسي الاكبر في عمر الجمهورية التركية.
الشعوب العربية تبحث – كما هي عادتها- عن منقذها ومخلصها، وبالتالي فانها قد تجد في دور تركيا الاسلامية ملاذا لها، حتى وان كان مؤقتا، عله يأتي اليوم لتجد بلدانها قد تجاوزت حالة السلبية التي تعيشها.
اياد الدليمي - الدوحة
|