First Published 2009-11-01

كيف يمكن تطوير المشروع التونسي؟

 
بقلم: خيرالله خيرالله

أنحاز التونسيون في الانتخابات الأخيرة أولا للتقدم وكل ما هو حضاري في هذا العالم. انحازوا بكل بساطة لثقافة الحياة وهي الثقافة الوحيدة التي تستأهل الانحياز لها.

ميدل ايست اونلاين

بعيدا عن مشاعر الحقد التي يكنها كثيرون لتونس، وهو حقد على النجاح والناجحين في آن، لم يكن تصويت المواطنين التونسيين بكثافة للرئيس زين العابدين بن علي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة يوم الخامس والعشرين من اكتوبر الماضي، سوى تعبير عن تمسكهم بمشروع واضح المعالم يقوم على التنمية المستمرة والاستقرار بعيدا عن الشعارات الفارغة التي لم تبن بلدا ولم تطعم شعبا ولم تحم نظاما أو بلدا في المدى الطويل.

في النهاية امتلك الرئيس التونسي الذي تولى السلطة في العام 1987 من القرن الماضي ما يكفي من الشجاعة لقول الحقيقة، كما هي من دون مواربة، للتونسيين، بعيدا عن أي نوع من انواع التملق للشارع. اكتشف التونسيون في ضوء التجارب التي مروا بها منذ الاستقلال ان لا خيار امامهم سوى التمسك بمشروع بن علي الذي يشكل تطويرا لسياسة ثابتة تقوم على الاستثمار في الإنسان، في المرأة والرجل في آن، بعيدا عن اي نوع من العقد. وصوتوا خصوصا ضد التطرف معترفين بأن بن علي عرف كيف التعاطي مع هذه الظاهرة باكرا قاطعا الطريق على التحايل والمتحايلين.

هناك في العالم العربي عدد قليل من الزعماء يرفضون الانقياد للشارع والسقوط في لعبة المزايدات التي يمكن ان ترتد عاجلا ام آجلا على من يمارسها. هؤلاء الزعماء لا يتنكرون للماضي وينقلبون عليه، بل يأخذون أفضل ما فيه. لذلك كانت تجربة تونس ناجحة الى حد كبير من منطلق أن زين العابدين بن علي لم يجد ان عليه ان يرفض ما تحقق في عهد الحبيب بورقيبة كي يثبت ان لديه ما يقدمه للتونسيين ولتونس. على العكس من ذلك، استطاع الرئيس التونسي اثر "التحول" الذي حصل في السابع من نوفمبر 1987 انقاذ التجربة البورقيبية من حال الترهل التي تعرضت لها اثر تقدم الرئيس الراحل في العمر. وعمل في الوقت ذاته على تطوير التجربة مع التركيز على الجوانب المشرقة فيها، خصوصا الجانب المتعلق بحقوق المرأة والانفتاح على العالم من دون تقديم أي تنازلات تتعلق بالهوية العربية والإسلامية لتونس بعيدا عن أي نوع من التطرف أو التشنج في أي مجال كان. باختصار شديد، أنقذ "تحول" العام 1987 تونس وحال دون سقوطها في متاهات التطرف والانغلاق على الذات التي كانت تسعى اليها بقوة احزاب معينة تدعي انها اسلامية ولا تخدم في واقع الحال سوى جهات خارجية تتربص بتونس وتريد لها الخراب.

لم يفت التونسيين أن التجربة التي مر بها بلدهم منذ العام 1987 اتاحت لهم العيش في ظل نظام مستقر يعرف تماما ما الذي يريده والى أين يريد ان يصل. ليس سرا ان النظام في تونس يعمل من اجل نقل البلد الى مكان آخر. من دولة نامية، الى دولة متقدمة. من يظن هذا الأمر مستحيلا، يمكن احالته على لغة الأرقام. تقول لغة الأرقام ان دخل الفرد في تونس كان في العام 1986 نحو 960 دينارا، ما هو أقلّ تسعمائة دولار اميركي، فأذا به في السنة 2008 نحو اربعة آلاف وثمانمائة دينار، ما يوازي اربعة آلاف دولار. او ليس ذلك انجازا في حد ذاته في بلد لا يملك الكثير من الثروات الطبيعية؟

ما سر التقدم الذي حققته تونس في مجال التنمية ولماذا لم تسقط كغيرها، كالجزائر مثلا التي تمتلك ثروات كبيرة، ضحية التطرف الديني؟ الجواب ذو شقيين. الشق الأول ان تونس تعاطت باكرا بحزم مع التطرف الديني. تبين بكل وضوح ان التطرف الديني، الذي يلبس في احيان كثيرة لبوسا مرتبطة الى حد كبير بالاعتدال ويحاول استغلال الديمقراطية لأغراض لا علاقة لها بتداول السلطة او بالأسس التي تقوم عليها اي ديمقراطية، ليس سوى نسخة مقنعة عن الحركات الإرهابية من نوع "القاعدة". أما الجانب الآخر الذي سمح لتونس بمواجهة التطرف، فيتمثل في الاستثمار في التعليم وتطوير البرامج التربوية. البرامج التعليمية العصرية تلعب الدور الأساسي في القضاء على التطرف وتشكيل حاجز اجتماعي في وجهه. سجلت نفقات الدولة في مجال التعليم العالي والتربية في الفترة بين العامين 1986 و2008 زيادة نسبتها عشرة في المئة سنويا. هذه النسبة هي الأعلى في العالم. والتعليم في تونس، فضلا عن كونه مجانيا في كل مراحله، الزامي بالنسبة الى كل الأطفال من سن السادسة الى سن السادسة عشر.

صوت التونسيون لمصلحة مشروع متكامل لا اكثر ولا اقل. والسؤال الآن كيف يكون تطوير التجربة حتى لا تراوح مكانها وكيف يمكن تطوير المشروع نفسه.

كان ملفتا ان المنافسة على موقع الرئاسة كانت بين اربعة مرشحين. كانت صور الأربعة في كل زاوية من تونس العاصمة والمدن الكبرى. ولكن بدا واضحا ان التجمع الدستوري الديمقراطي الذي يضم ثلاثة ملايين عضو، وهو الحزب الحاكم، يمتلك آلة تنظيمية ضخمة على كل المستويات اتاحت له تقديم مرشحين للانتخابات التشريعية التي جرت في موازاة الانتخابات الرئاسية، في كل الدوائر. بدا واضحا ان بعض الأحزاب المعارضة ستكون قادرة على تطوير نفسها مستقبلا، خصوصا الأحزاب التي لا تتلقى دعما من خارج وهو امر مرفوض بشدة من التونسيين انفسهم قبل ان يكون مرفوضا من الدولة ومؤسساتها. هناك شيء اسمه الوطنية التونسية يشعر به الزائر اينما حل في البلد.

تونس الى أين؟ لا شك ان ما تحقق على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي وعلى صعيد الاستقرار السياسي والأمني يمثل انجازات ضخمة. ولا شك ان المشروع التونسي القائم على أيجاد طبقة وسطى كبيرة حقق نجاحا. معظم التونسيين ينتمون الى الطبقة الوسطى ومعظمهم يمتلكون منازلهم.

كيف تطوير التجربة سياسيا والأنتقال بها الى افاق التعددية السياسية في دولة ذات مؤسسات متينة؟ ربما كان ذلك السؤال الكبير. الانتخابات الأخيرة خطوة اولى في اتجاه التعددية وتثبيتها. وفي النهاية، على التونسيين وعلى تونس العيش على الضفة الأخرى من المتوسط. انها الضفة المقابلة لأوروبا. صحيح ان في استطاعتها المحافظة على خصوصية معينة لتجربتها، لكن الصحيح أيضا انها لا تستطيع الانتقال الى مصاف الدول المتقدمة من دون التطوير المستمر للتجربة والمشروع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي أنحاز التونسيون له في الانتخابات الأخيرة. انحازوا أولا للتقدم وكل ما هو حضاري في هذا العالم. انحازوا بكل بساطة لثقافة الحياة وهي الثقافة الوحيدة التي تستأهل الانحياز لها.

خيرالله خيرالله