First Published 2009-11-02

الشرق الأوسط والمعادلة الجديدة الصعبة

 
بقلم: د. علاء الدين شماع

سوريا وتركيا وايران صارت تشكل مفردة أساس ضمن جملة إستراتيجية جديدة تحفظ لها سطوراً في المتغير الذي بدأ يكتسب شرعية ملامحه الجديدة. إلا ان ما ينقص اتمام المعنى هو البعد العراقي.

ميدل ايست اونلاين
فهم حقيقة الحراك السياسي اللافت في دوائره الشرق أوسطية الفاعلة، تركيا إيران وسوريا، عندما نقاربه على أنه حمال أوجه، نسقط في وهم الانتساب لسياسات سادت زمن البوشية وفشلها في احتواء المنطقة.إنما مقاربته على أنه حراك يأتي استجابة لظرف إقليمي أخذ يستقرئ ملامح تغيير طموح في معطياته الجيو-سياسية هو أقرب إلى الصواب.

ذلك أن سياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما وإدارته الجديدة أخذت تسعى لتلمس مخارج من مآزقها الجمة وهي تيمم شطر قوى إقليمية تبادلها المنفعة، بما يبشر بسيناريوهات لطيفة في أية مواجهة معها مهما بلغت حدة الخلافات فيما تبدو عليه الأمور الآن (الملف النووي الإيراني مثلاً). ونحن نرى أنها سياسات تدخل في باب المناورة الحذرة المبنية على الشكوك المتبادلة، والتي يلزمها أجواء دبلوماسية منفتحة على الحوار مع الآخر، وليس العزوف تارة أو التهديد بأن الكيل قد طفح تارة أُخرى، وتبني سياسات قد ولى زمنها ولم تعد تجدي نفعاً.

ولعله في الهجوم الذي يتعرض له باراك أوباما من قبل المحافظين الجدد وإدانتهم لسياساته الشرق أوسطية، يدلل على مقدار ما يمكن أن تتأذى به المنطقة، أمام جولة جديدة يعد لها اليمين الأميركي المتطرف.

ان تأكيد أوباما على صوابية سياساته وامتلاكه لقوة الإرادة للسير بها قدما،على الرغم من نحول جسده، وهو يدفع عنه الانتقادات التي يتعرض لها، لا تزيل عتمة هذه السياسات في نتائجها الغائمة تجاه الوضع القائم في المنطقة حتى الآن، خاصة فيما يتعلق بموضوع الصراع العربي الإسرائيلي، وفي منحه جائزة نوبل للسلام بعض العزاء له،و كأن السلام قد قام والمهمة قد انتهت!

مع الإشارة هنا، إلى أن التأكيد على فاعلية الحراك الإقليمي،التركي الإيراني والسوري، يمثل طوق نجاة للرئيس الأميركي،على الرغم من أن التبعية السياسية لم تكن قائمة لأي من أطراف المثلث الاستراتيجي الجديد في أية لحظة من لحظات تطوره وتبلور ثقله النوعي، ودون إهمال كم الإرادة الوطنية الفاعلة، في صوغ شكل الصراع السياسي وجغرافيته وفق مصالحها الخاصة والمتبادلة، في هذه اللحظة بالذات من تاريخ المنطقة، وهي مصالح يمكن وصفها على أنها تُعاكس غيرها دون أن تصطدم بها، وتتوافق فيما بينها دون أن تتخلى عن ثوابتها. هذا دون أن نغفل ما يمكن أن تتعرض له من ضغوطات كما أشرنا.

ان نظاماً إقليميا جديداً، يقوم على تغيير قواعد اللعبة السياسية، والتي تُسهل في حقيقة الأمر، الوصول إلى رؤية منفتحة لحل مشاكل المنطقة، مع وضوح الرؤية بالنسبة لصناع القرار فيها، من أن الاستراتيجيات الجماعية بالاعتماد على القوى الذاتية الفاعلة يمكن لها ملء الفراغ الذي أحدثه خلل توازن الحضور الأميركي، بعد انكشافه الاقتصادي أمام ضربات المقاومة العراقية، وفشله العسكري في أفغانستان، هو ما يُشكل أضمن الطرق لحضور فاعل في السياسة الدولية. وان أخذ شكلاً دون الأحلاف والمحاور من خلال توسطه البراغماتية السياسية التي تحافظ على خاصية الصبغة لكل طرف على حدة، مع مرونة في العمل المشترك وصياغة نظرية للأمن الجماعي للحفاظ على استقرار المنطقة.

يقف على رأس هذا العمل، فهم حقيقة الدور السوري، على ما أثاره من استشكال في التحقيق والنظر السياسي عند البعض، وهو نظر لا يدخل في نقد التصنيفات-الاصطفافات والابتعاد والاقتراب من قيم من مثل ثنائية الممانعة-الاعتدال بعد التقارب السوري السعودي والموقوف المفاعيل حتى الآن، إنما هو دور يمكن فهمه، على أن الإستراتيجية الأميركية الجديدة لا يمكنها رسم ضوابط المنطقة وأن تكون اللاعب الوحيد والمقرر فيها.

ولعل سياسة الإدارة الأميركية الجديدة في الاعتماد على مكونات إقليمية لهذه الضوابط، يدخل في تناغم غير مباشر في رسم مسافات محددة بين السطور يمكن قراءة معانيها وفق ثابت الإيقاع الأميركي ومتغير العامل الإقليمي الجديد. وسوريا (مع تركيا وإيران) أخذت تشكل مفردة أساس ضمن جملة إستراتيجية جديدة تحفظ لها سطوراً في هذا المتغير الذي بدأ يكتسب شرعية ملامحه الجديدة.

إن تغليب الحضور التركي تارة، والوجود الإيراني المستفز تارة أخرى في صوغ مفردات هذه الجملة، ينزع عن العرب التواجد في الحراك السياسي اللافت مع شرق وشمال أوطانهم والتي قد توصلهم إلى الأقاليم الأربعة من خلال الدور السوري، الذي يلزمه الدعم العربي الفعال من أجل الحفاظ على المصالح العربية المشتركة، وتأمين تواجدهم الفاعل من خلال هذا الدور الحيوي.

ان انغماس أميركا على هذا القدر في رمال المنطقة المتحركة وفشل سياساتها فيها لا يشفع لها ما كان لأوروبا يوماً، والتي يعود لساستها إشاعة اصطلاح الشرق الأوسط لقربها الجيواستراتيجي. ذلك أن قوس الأزمات الممتد من أفغانستان شرقاً حتى غزة جنوباً لا يزال يحافظ على سخونته رغم الوجود المادي الأمريكي المكثف، وهو يكاد يُشكل فراغاً (كماً مهملاً) بما يموج ويمور فيه من حراكات مارقة تُسجل نقاطاً في غير صالح هذا الوجود. حتى بات صوغ علاقات إستراتيجية بين بعض دول المنطقة ممكناً، وهي ترسم إيقاعا منفلتاً عن نسيج التاريخ العكر الذي ساد بينها في مرحلة ما، إنها حالة أشبه بانفجار بركاني أخذ يراكم حممه وصخوره المندفعة، على أساس من فهم جديد للعبة بين موازين القوى التقليدية والناشئة في المحيط الشرق أوسطي.

على أن الصورة ليست كلها على هذا القدر من التفاؤل، إذ يبقى أن نشير إلى أن هذا الانفلات من السيطرة الغربية يأتي في غير صالح الدوائر الامبريالية الباحثة عن دور جديد من خلال دعوى إنقاذ الرأسمالية من عثراتها، وهو دور جديد قديم، يتوسط عولمة الإرهاب الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأميركية المغيظة من أي تقارب بين الدول لا قرار لها فيه إلا بمقدار ما يضمن لها مصالحها الحيوية مباشرة أو بالوساطة مهما أظهرت الإدارة الجديدة من حسن نوايا.

إنها معادلة إقليمية جديدة إذا، تقوم بين ثلاثي يفرق بينه أكثر مما يجمع، ولكنها بلا شك، تبشر بشكل من أشكال العمل الإقليمي المشترك والذي سوف يحصد العراق أولى ثماره في الاستقرار أن كُتب له الإفلات من ربقة التأثير المباشر للمستعمر الأميركي وهو يلملم أشلاء وجوده، ومن التفجيرات الإرهابية التي تقف وراءها حسابات سياسية داخلية وما يمكن أن تعكسه من خلل في إيقاع هذا العمل.

هل تكتمل الصورة ويكون العراق البعد الرابع لهذه المعادلة الصعبة بلا ريب، بالنسبة لمنشئها وناظرها على حد سواء؟

د. علاء الدين شماع

كاتب عربي سوري